اغتراب المثقف و جدلية الثقافة و العنف في رواية الغصن اليتيم ل " ناصر الجاسم "

Abstract

الرواية هي الجنس الأدبي الأقدر على احتضان هذه الظاهرة وتشريحها؛ لأنها وحدها قادرة على رصد تفاصيل الألم اليومي وسيرة المعاناة في مجملها، على نحو ما عجزت عنه القصيدة بطبيعتها الغنائية المكثَّفة. وفي مقاربتنا التطبيقية أوضح بحثنا تجليات الاغتراب في رواية الغصن اليتيم بأشكاله الأربعة المتشابكة: الوجودي والمكاني والثقافي والاجتماعي. الاغتراب الوجودي يتجلَّى في تضخُّم وعي البطل الذي يستحيل إلى سجن داخلي، وذاكرة قهرية لا تُطيق النسيان ولا تُطيق التصالح مع قبح الواقع. الاغتراب المكاني في الرواية فيأتي امتدادا للاغتراب الوجودي والاجتماعي؛ فالبطل الذي انفصل وجوديا واجتماعيا عن محيطه أضحى يرى المكان بعين أخرى، إذ صار المكان ضيقا على رحابته ، ففقدت الأمكنة دلالتها الأصلية لتغدو فضاءات للوحشة والنبذ والإقصاء، في حين تتحوَّل الزنزانة إلى ملاذ وجودي، تلك المفارقة التي تُع رِّي عمق الأزمة التي يعيشها البطل. ىلعو الصعيد الثقافي، تتجلَّى مأساة المثقف الذي يرفض صكَّ براءته ويتمسَّك بهوية " القاتل " ، لأن اعترافه بذنبه هو الشكل الوحيد الذي يُتيح له وجود ا معترف ا به في مجتمع لا يفهم لغة الجمال ولا يُدرك مرارة الوعي. فيما يرصد الاغتراب الاجتماعي مسار البطل من شفرة الإهداء الموغلة في الغموض إلى الصدام مع أنساق القبيلة والمؤسسة القانونية والأسرة، مما يجعله " وشم ا أسود " ينبغي محوه في عُرف الجماعة. كما استطعنا الكشف عن الجدلية الحادة بين الثقافة والعنف؛ فقد توصلنا من تحليلنا إلى أن العنف في الرواية لا يُمارَس بصوته المرتفع وحده جسدي ا - كان أم لفظي ا بل - يعمل في عتمة البنى الرمزية أيضا ؛ من وصم اجتماعي وتنميط مؤسساتي وإهمال أسري وفشل تربوي تحوَّلت فيه المدرسة إلى آلة تلقين جوفاء والمؤسسة الدينية إلى شكل فارغ من الروح. والأخطر من ذلك كله هو أن البطل استبطن هذا العنف حتى أصبح جلاد ا لنفسه، مُو جِّه ا خطاب الإقصاء ضد ذاته ومُح ولا الثقافة من سلاح تنوير إلى عبء مضاعف يُع مِّق اغترابه ويُر سِّخ وحدته. لقد حطَّمه وعيه قبل أن تُح طِّمه الظروف. ويخلص البحث إلى أن رواية " الغصن اليتيم " ليست وثيقة أدبية عن فرد محطَّم فحسب، بل هي تشريح عميق لأزمة المثقف العربي المعاصر في مواجهة ثلاثية المعرفة والانتماء والحرية، فالبطل في نهاية المطاف يمث ل نموذج " الغصن اليتيم " حرفيا ؛ غصن انقطع عن شجرة الجماعة لا لضعف فيه، بل لفرط وعيه بتسوُّس الجذور، ليختار في نهاية المطاف أن ييبس بكرامة على أن يزهر زيف ا في شجرة لا ينتمي إلى جذورها الفكرية. وختاما ، فما هذا البحث في نهاية المطاف إلا محاولة متواضعة للإسهام في تأسيس قراءة نقدية جادة لفن يستحق أن يُقرأ بعيون واسعة مفتوحة على أسئلة الإنسان وأزمة وجوده.

Description

Keywords

Citation

جامعة الشهيد الشيخ العربي التبسي تبسة

Endorsement

Review

Supplemented By

Referenced By